"هل البحر قطرات ماء أم رحلات أمواج متعاقبة..؟!"
كنت أجلس على شاطئ الأسكندرية حين تبادر السؤال على ذهني..
كان الصيف..و كان الليل..و كان الضجيج..تفاصيل اللحظة التي أنا فيها..و وحدة تغلف كل هذا.
أفكر كيف سأعبر ظلمة الليل حتى الصباح بعد أن فقدت السبل إلى رفيق إتفقنا على قضاء الليل و التنزه معاً..
قطعت مسافة كبيرة أبحث فيها عن فراغ وسط الزحام أجلس فيه و أتأمل البحر بعمق يسمح لي بالتفكير دون تشويش..و وسط البحث..و في قلب الصخب..كانت تطل برأسها كأرنب بري لطيف وسط حشائش الصحراء..تراقبه و يراقبك و كلاكما يظن الآخر لا يراه..
صورتها تظهر كومضات في العقل..ترتدي أثواب الشوق.و التساؤل..هل هو حنين؟
و كانت الجلسة تقريباً كما أردت..
ضبط النظر على البحر..و تردد السمع على موجه..لأنتقل إلى عالم أشبه بعالم طيور النورس لا عالم البشر..أناجي البحر بذلك الشدو المؤثر..يثير في نفس السامع متعة..و في نفس الشادي تألقاً و شوقاً..كنت اغني كأحسن ما غنيت في حياتي حتى دمعت عيناي و صارت أمواج البحر في عيناي..و صارت صورتها أوضح..لا ومضات بل شمس داخل جوف النفس مضيئة..و معها تبادر السؤال.."هل البحر قطرات ماء أم رحلات أمواج متعاقبة..؟!"..
كان صوتي بالغناء عالياً..ربما وصل إلى عنان السماء..أو سافر في رحلات مع الأمواج..و امتزج بكل قطراته فذاب في خلايا المخلوقات..ربما..!
لكن شيئاً في نفسي يقول لم يصل لها صوتي..و إلا لَما شعرت بمرارة هذه الوحدة..
رغم هذا لم أفقد الأمل..ففي كل لحظة كنت أشعر أنها تقترب..فأغمض عيني التي تعتصر أمواج الدموع فتنسكب قطرات منها على خدي..و أكاد أشعر بأطراف أصابعها تلامس كتفي..
إيماني بأن الله الذي خلقني و يعلم سري و علانيتي..يراني..و يسمعني..و هو من خلقها..و يراها..و يعلم ما تفعل في تلك اللحظات..و لو أراد سبحانه..لوصَل إليها صوتي..و سمعته..
إن من علّم قلبي الحب و جذبه إليها لقادر على بث هذا الحب في قلب من أُحب..هذا الإيمان هو أملي..
تجاوز الوقت الثالثة بعد منتصف الليل..
أخذت أمسح دموعي بكفي..و لاحظت عجوزاً ينام جواري يحتضن عكازاً لا يقل عمراً عنه و قد لف طرفه العلوي المعقوف بقماش رث أظنه أحن على يديه من خشبه الخشن..تلك الصورة التي كنت دوماً أخشاها رأيتها جلية أمامي تلك اللحظة..
يبدوان كشريكي حياة..كلاهما يتخذ من الآخر سنداً له..و سبباً لوجوده أو قيمته في الحياة..فالراحة التي تبدو على وجه العجوز و هو نائم يحتضن عصاته بكلتا يديه و ساقيه تروي أكثر من هذا..تروي قصة ربما تتكرر كما التفاصيل التي يرويها في هذيانه عن الوحدة..و الألم..و الخوف..و ربما تختلف التفاصيل قليلاً..لكن المشاعر تظل واحدة كما خلقها الله و بثها في نفوسنا لنعيش بها قصص حياة..
قمت من جوار الرجل فاراً من هذيانه..و من تلك الصورة المخيفة..
لكن سرعان ما تلاشى الخوف فور أن عدت إلى أملي..فوجدتني أسير بخفة كما طيور النورس..أملأ صدري برائحة البحر..و أذناي بأصداء أغنياتي العائدة مع أمواج البحر و قد امتزجت بأغاني و أصوات آخرين لتشكل سيمفونية العالم التي تُعزف على أوتار القلوب..
لم تبهرني الأضواء الزائفة..و لم تجتذبني نظرات البغايا و لا دعواتهن..و لم تقتلعني مخاوفي أو تقص أجنحتي..
و قبل أن أصل إلى النقطة التي أردت الإبتداء منها..إنطلق صوت داخل السيمفونية أعطى لها طابعاً مميزاً محبباً..صدر من حيث أبغي الإبتداء ليعلن بزوغ الفجر..
اول تعليق زتقول بسم الله
ردحذفاسلوبك المره دى فى حاجه جديده يا صاحبى
مميز كالعاده ولكنه يمس شغاف القلب
اتنبأ لهذه المدونه بمستقبل جميل