الأحد، 29 نوفمبر 2009

عبر الأثير

في الهواء..دعها تجوبه بحرية ذلك أفضل لها..و لتجعلها تتلون فلن يعرف أحد أنها تنتمي إليك..جرب و ستفتح مغاليق عقلك الغائب..إنها كلماتك.

المؤشر الآن على إذاعتك المفضلة..أنت لا تسرق فلا ترتعش هكذا..كم هو مؤلم أن تتخلى عن براءة الأطفال..و لكن ماذا لو تركت جسدك ينمو بحرية؟!

الإتصال الهاتفي الأول لك..إذا ترددت ستكون الثاني لا محالة..كن الأول حتى لا تفقد كلماتك مشاعرها الحقيقية..افرك يديك و اطلب الرقم..الكلمات ستأتي تباعاً.

لحظة من فضلك..هل تعرف قواعد اللعبة..أقصد الحوار؟

يجب أن تقول كل شيء و لن يقطع أحد عليك الحديث إذا تجاوزت الخطوط الحمراء لقد إختفت تلك الألوان منذ زمن.

* * *

لقد أضعت فرصتك أن تكون صريحاً..فالإتصال الأول لم يكن لك..

ربما شاهدت تلك الفتاة صاحبة الإتصال الأول..إنها تلك الرزينة التي لا تحدث الشباب في كليتك..لقد بدت في إتصالها و كأنها تتحدث من شقة مشبوهة..صوت لاهث و أنفاس متسارعة كمن تدعوك للبغاء..

بالطبع لم تفهم شيئاً مما قالت..بدت و كأنها تتصل ببرنامج للأزياء أقصى ما ترجوه ملابس تستعرض نمو جسدها لتبدو أكثر جذباً.

* * *

- معنا إتصال هاتفي من خارج القطر..

إنها تعشق الإمتزاج..فالأصل في الأشياء أنها مرتبطة..لماذا يتم تخصيص عربات للسيدات في المترو..؟! لماذا بات الرجل يخاف من المرأة هكذا..؟! و كيف تشعر المرأة بإنوثتها إن لم تكن جوار الرجل..؟!

لقد بدت عبر الهاتف أنها صارمة..لكن يتضح أنها من هؤلاء النسوة صاحبات الجونلات القصيرة ممن ينادون بأن على المرأة ألا تخجل من جسدها.

* * *

ماذا ستقول في إتصالك الهاتفي؟..الوقت يتضاءل.

فاصل من الإعلانات لا يوجد صوت رجولي واحد فيه فيغمرك شعور أن مذياعك الصغير لن يتحمل كل هؤلاء الفتيات و ستخرج لك واحدة منهن..يبدو أنها أمنية خفية عندك.

* * *

وقفت الفتاة أمام المرآة الكبيرة في غرفتها بعد أن أحكمت غلق الباب حتى لا يفاجئها أحد بالدخول ، و راحت تدور و هي تنظر بشفقة إلى جسدها الفاتن ثم سارت بخفة طائر نحو المذياع..حيث رجل يتحدث بحرية أقرب إلى الخلاعة عن برود زوجته..فتنهدت بعمق تمني نفسها بمن يكبح جماح رغبتها..لكنها انتفضت فجأة و أغلقت المذياع كمن سرى في جسده تيار كهربي و استغفرت الله و ظلت تسجد و ترفع من السجود و تهز رأسها هزاً لتطرد الأفكار التي ملأت رأسها.

* * *

في الغرفة المجاورة لإستوديو الهواء حيث يبث البرنامج جلس المعد يكتب بعض المشاهد الساخنة ليقحمها في سياق فيلمه العاطفي الجديد متأثراً بمكالمات المستمعين.

أنت..كم عمرك الآن..؟ و كم كان عند بدء البرنامج..؟

" فسوق..خلاعة..أهذه هي هموم الشعب..مضللون..خونة.."

" عذراً للمستمع..لقد إنقطع الخط بسبب عطل فني.."

يبدو أنه عطل في النمو الطبيعي للأحداث و يبدو أنك بت حصاة لن تقف في وجه التيار الجارف..و ستستقر في القاع.

دع سماعة الهاتف و أطلب رقماً آخر..دعه يكون رقم هاتفك فلن يتحملك أحد أكثر من نفسك و لن يستجيب هاتفك مهما فعلت.

الأحد، 22 نوفمبر 2009

سيمفونية العالم


"هل البحر قطرات ماء أم رحلات أمواج متعاقبة..؟!"

كنت أجلس على شاطئ الأسكندرية حين تبادر السؤال على ذهني..

كان الصيف..و كان الليل..و كان الضجيج..تفاصيل اللحظة التي أنا فيها..و وحدة تغلف كل هذا.

أفكر كيف سأعبر ظلمة الليل حتى الصباح بعد أن فقدت السبل إلى رفيق إتفقنا على قضاء الليل و التنزه معاً..

قطعت مسافة كبيرة أبحث فيها عن فراغ وسط الزحام أجلس فيه و أتأمل البحر بعمق يسمح لي بالتفكير دون تشويش..و وسط البحث..و في قلب الصخب..كانت تطل برأسها كأرنب بري لطيف وسط حشائش الصحراء..تراقبه و يراقبك و كلاكما يظن الآخر لا يراه..

صورتها تظهر كومضات في العقل..ترتدي أثواب الشوق.و التساؤل..هل هو حنين؟

و كانت الجلسة تقريباً كما أردت..

ضبط النظر على البحر..و تردد السمع على موجه..لأنتقل إلى عالم أشبه بعالم طيور النورس لا عالم البشر..أناجي البحر بذلك الشدو المؤثر..يثير في نفس السامع متعة..و في نفس الشادي تألقاً و شوقاً..كنت اغني كأحسن ما غنيت في حياتي حتى دمعت عيناي و صارت أمواج البحر في عيناي..و صارت صورتها أوضح..لا ومضات بل شمس داخل جوف النفس مضيئة..و معها تبادر السؤال.."هل البحر قطرات ماء أم رحلات أمواج متعاقبة..؟!"..

كان صوتي بالغناء عالياً..ربما وصل إلى عنان السماء..أو سافر في رحلات مع الأمواج..و امتزج بكل قطراته فذاب في خلايا المخلوقات..ربما..!

لكن شيئاً في نفسي يقول لم يصل لها صوتي..و إلا لَما شعرت بمرارة هذه الوحدة..

رغم هذا لم أفقد الأمل..ففي كل لحظة كنت أشعر أنها تقترب..فأغمض عيني التي تعتصر أمواج الدموع فتنسكب قطرات منها على خدي..و أكاد أشعر بأطراف أصابعها تلامس كتفي..

إيماني بأن الله الذي خلقني و يعلم سري و علانيتي..يراني..و يسمعني..و هو من خلقها..و يراها..و يعلم ما تفعل في تلك اللحظات..و لو أراد سبحانه..لوصَل إليها صوتي..و سمعته..

إن من علّم قلبي الحب و جذبه إليها لقادر على بث هذا الحب في قلب من أُحب..هذا الإيمان هو أملي..

تجاوز الوقت الثالثة بعد منتصف الليل..

أخذت أمسح دموعي بكفي..و لاحظت عجوزاً ينام جواري يحتضن عكازاً لا يقل عمراً عنه و قد لف طرفه العلوي المعقوف بقماش رث أظنه أحن على يديه من خشبه الخشن..تلك الصورة التي كنت دوماً أخشاها رأيتها جلية أمامي تلك اللحظة..

يبدوان كشريكي حياة..كلاهما يتخذ من الآخر سنداً له..و سبباً لوجوده أو قيمته في الحياة..فالراحة التي تبدو على وجه العجوز و هو نائم يحتضن عصاته بكلتا يديه و ساقيه تروي أكثر من هذا..تروي قصة ربما تتكرر كما التفاصيل التي يرويها في هذيانه عن الوحدة..و الألم..و الخوف..و ربما تختلف التفاصيل قليلاً..لكن المشاعر تظل واحدة كما خلقها الله و بثها في نفوسنا لنعيش بها قصص حياة..

قمت من جوار الرجل فاراً من هذيانه..و من تلك الصورة المخيفة..

لكن سرعان ما تلاشى الخوف فور أن عدت إلى أملي..فوجدتني أسير بخفة كما طيور النورس..أملأ صدري برائحة البحر..و أذناي بأصداء أغنياتي العائدة مع أمواج البحر و قد امتزجت بأغاني و أصوات آخرين لتشكل سيمفونية العالم التي تُعزف على أوتار القلوب..

لم تبهرني الأضواء الزائفة..و لم تجتذبني نظرات البغايا و لا دعواتهن..و لم تقتلعني مخاوفي أو تقص أجنحتي..

و قبل أن أصل إلى النقطة التي أردت الإبتداء منها..إنطلق صوت داخل السيمفونية أعطى لها طابعاً مميزاً محبباً..صدر من حيث أبغي الإبتداء ليعلن بزوغ الفجر..