الثلاثاء، 16 فبراير 2010

حصل خير


لم يدرك أن اسمه مازال مدرجاً ضمن كشوف الأحياء إلا بعد لحظات من انطلاق السيارة التي كادت تصدمه بعيداً عنه..عاشها لحظات لا هي حياة و لا موت..بالفعل خارج نطاق المعقول فقد هربت الدماء من وجهه و حملقت عيناه في اللا شيء و تعطلت أجهزته ، فكانت لحظات الادراك الأولى تصاحبها زفرة أعادت دوران تروس رئتيه..و وجع في صدره ربما كان قلبه العائد.

وقف على الرصيف المقابل راكعاً كالمصلي و بين أنفاسه المتسارعة يحمد الله..ربت على ظهره أحد المارة "حصل خير" .

اعتدل..نظر حوله في ثبات بنظرات متحدية كأن شيئاً لم يكن..إلا أن بائعين على الرصيف كانا مايزالان يناقشان ما أفلت منه و لحق بغيره يوماً..

"أتذكر زميلنا العجوز الذي مات على نفس هذا الطريق و هو يهرب من رجال البلدية ببضاعته عن الرصيف..؟!"

التفت إليهما و ابتسم ابتسامة ذات معنى..لكنه سرعان ما لام شفتيه على تلك الابتسامة الشاردة ، و ألقى التحية ثم سار بعيداً حتى توقف و أخرج من جيبه ورقة مالية و وضعها بين ذراعي عجوز نائمة حذاء جدار تحتضن جسدها بذراعيها.

بعد خطوات كان قد وصل إلى مقر الجمعية الخيرية التي تطوع فيها حيث موعد الإجتماع ، كان الجميع هناك وصلوا في الميعاد..و بعد مناقشة لم تتجاوز الساعة تقريباً اتفقوا على الشكل الذي سيكون عليه جمع التبرعات من الطلبة بالجامعة.

انضم حديثاً للجمعية..كان داخله شعور أنه يملك من الطاقة ما سيغير به وجه هذا العالم القبيح..و من البؤس و الشقاء ما سيدفعه لإجتثاثهما من معجم الحياة. و أن الكلمة التي طالما رددها سنوات طوال آن لها أن تصمت "يالبؤس هذا العالم..".

لكنه وجد في نفسه أشياءاً تنمو..و بريقاً يخبو..

لم يندهش لأنه وجدها هناك..فمن غيرها يمكن أن يكون هناك إن لم تكن هي ، لكنها حقاً لم تكن وحدها فكأن المكان امتلأ بمرايا فتجدها حولك و إن أضافت لها بعض الرتوش لتبدو مختلفة نوعاً ما..

بعد أول اجتماع رأى فيه تلك الفتاة التي كانت دائماً تبدو بعيدة حتى صارت منه أقرب ما يكون..ظل وحيداً أياماً..تدمى نفسه الجلادة لذاتها..و يجد وجه الفتاة و قريناتها يطاردنه بعد أن صاروا أكثر وضوحاً..فقرر ألا يذهب ثانية.

كان صراخ أم الولد و أنينها بالليل الأشبه لصوت الناي يبكيه و يطبق على صدره بالهموم ، كان يشعر أنه السبب في آلامها..لأن الولد إن مات فالطعنة منه..

و لهذا عاد..

لكن أشياءاً لم تعد..كانت نفسه ماتزال تتأرجح بين الحياة و الموت..حتى الحياة لم تكن حياة حقاً إنما هي روح الحياة يشتمها بالكاد.

راح للجمعية و في يديه أوراق الطفل المريض لعل عندهم من يتكفل بنفقات العملية ، و لم يتوقع أن الاستجابة ستكون على هذا الوجه..كانت الفتاة.."أبي طبيب و يمكنه أن يتولاها.."..ابتسم..و لمعت عيناه فكم أحب صوتها.

و يوم أن كادت تصدمه السيارة كان الإجتماع الثاني ، يومها كان يرى الجميع بعين أخرى و يسمعهم بأذن مختلفة.الفتيات يجلسن في زهو الساق فوق الساق..و الفتيان يضعون أمامهم هواتفهم النقالة باستفزاز منشغلين بتبادل الأنغام الجديدة..كذلك انسحاب الوقار أوقاتاً من الجلسة لتعلو الضحكات و المزاح دون سبب واضح..

تذكر تلك اللحظة التي كان أقرب فيها من الموت..لكن رعدة الموت دفعته دفعاً للتشبث بالحياة فراح يمزح !!

كان الخير ممزوجاً بأهواء البشر حتى بدا الخير ضيفاً غير مرحب به ، و اختلط محبي السلطة بتجار البر..هؤلاء الذين يقدمون الصدقة من أموالهم و كأنها فضل منهم.

صور الباعة الجائلين على الرصيف تمر أمامه..ذلك البائع العجوز الذي مات و لم يره قط رآه ساعتها..تلك العجوز النائمة و تحتضن جسدها من البرد..الأطفال الذين يملأون الطرقات بلا مأوى سوى قاع الأنفاق و أسفل الجسور..

اندفع يوم جمع التبرعات حاملاً صندوقاً ماراً بين الطلبة..لكنه وجد فيهم وجوهاً من المحتاجين..بل إن سيف الحياء يومها كان قاطعاً..و صديق له وجدها فرصة ليتقرب من الفتاة التي طالما تسابق على معرفتها الجميع.. فرصة ليحادثها و لو للحظة.أما هو فراح إلى هؤلاء الذين يجلسون في سياراتهم و يستمعون إلى الموسيقى و ألح عليهم و صار فظاً مع هؤلاء الأغنياء..

كان مصيره الضرب..

و من يومها يعيش مذموماً..الصقت به تهمة الحقد الطبقي..يذهب إلى الجمعية و يجلس على الرصيف المقابل لها بعد أن مُنع من دخولها يراقب أعضاءها و هم يأتون في سياراتهم الفاخرة و ينتظر تلك الفتاة لكنها لا تأتي أبداً..

أما بقية اليوم فيقضيه هائماً في الطرقات باحثاً عن السيارة التي كادت أن تصدمه متسائلاً.."لماذا لم تقتلني..؟!".