أمام "مون جاليري" بشارع المقريزي يقف رجل مساء كل خميس يبدو أنه منجذب لمعروض ما..يمضي على وقوفه نصف الساعة ثم يرحل..
"مدام أنوار..الساعة السادسة..ذاك الرجل يقترب" قالتها ليلى العاملة بالمعرض لصاحبة العمل.
"ميعاده منضبط!!" رفعت السيدة أنوار كتفيها.
"ألا يزعجك وجوده..؟"
"ربما تعجبه لوحة الحمار المعروضة.."
"أظنها غالية عليه..لذا يكتفي بمشاهدتها كل أسبوع..ولكن لماذا كل أسبوع مرة؟!" و بهذا التساؤل أنهت ليلى حوارهما القصير ليبدءا في متابعة الرجل بنظرات يسترقونها أثناء العمل..
ولكن يبدو حقاً أن تلك اللوحة التي تحدثوا عنها هي ما كانت تجذب انتباه الرجل و تأتي به إلى المعرض كل خميس..فهي مستوحاة من إحدى أعمال مستشرق ألماني و قد بدا التقارب بين اللوحتين واضحاً إلا سمة تميز واحدة عن الأخرى ، و بالطبع لم يكن يبدو عليه أنه يمتلك ما يساوي ثمنها..فإن ملك ما يساوي ثمنها فلا يبدو أنه يسكن حيث يليق بلوحة كهذه أن توضع.
* * *
بدأ الشتاء منذ أيام بمطر قوي أغرق الطرقات ، و قد توقفت الحركة دقائق مساء هذا الخميس..سقطت إحدى عجلات عربة يجرها حمار في حفرة اختفت تحت أوحال الشتاء .. و كالعادة أخذ سائق العربة يضرب الحمار بالسوط .. و علت أصوات آلات التنبيه .. وقف الكثير يتفرج ، و القليل لم يهتم .. و كان رجل اللوحة حينئذٍ في طريقه إلى المعرض .. لم يهتم أيضاً بمعرفة ما يجري .. في البداية على الأقل .. رمى بنظرة باردة على المشهد ثم عاد لطريقه .. لكنه توقف فجأة ، و التفت ثانية نحو العربة العالقة و قد التهبت نظرته و صار و كأنما لا بشر بينه و بين العربة ، كأن نظرته شقت بينهما سبيل...
جرى نحو العربة .. صار في مواجهة السائق .. امسك يده المرتفعة بالسوط عن الحمار و صرخ في وجهه "أمالك قلب..؟!" و بدا و كأن مشاجرة سوف تبدأ لولا تدخل بعض المارة جذبوا السائق معهم لرفع العربة و دفعها عن الحفرة .. بينما ظل الرجل جوار الحمار يمسح على رأسه..
مر الأمر بسلام .. انطلقت العربة خلف الحمار يجرها و الرجل يتابعها بنظرة و على وجهه ابتسامة .. ثم ذهب للمعرض الذي لم يكن بعيداً عن مكان الأزمة ...
دخلت ليلى المعرض فور انتهاء الأزمة و قد اتسعت حدقتها..
"لن تصدقي ما رأيت.." قالت لمدام أنوار ..
وضعت مدام أنوار المجلة من يدها و نظرت من فوق نظارتها متسائلة .. فأردفت ليلى و هي تقف و ظهرها للباب ..
"كان ذاك الرجل..الرجل الذي يأتي كل خميس..يقف..."
لم تكمل حديثها إذ رأت الانبهار على وجه مدام أنوار ناظرة نحو الباب .. كان هناك أحد قد دخل هكذا دل صوت الموسيقى فور فتح الباب .. التفتت .. إذا به رجل اللوحة .. نظرت إلى مدام أنوار و وضعت يدها على فمها تكتم ضحكة .. يبدو أنها خجلت من نفسها..
"أريد شراء هذه اللوحة المعروضة .." أشار إلى لوحة الحمار خلف زجاج العرض ، نظرت مدام أنوار لليلى .. بدا عليهما الذهول .. لم يكن متوقعاً أنه سيشتريها يوماً..
"هل من مشكلة..؟!هل هي مباعة؟" تساءل الرجل
لكنهم أجابوا بالنفي.. ابتسم و سأل عن سعرها .. و بصوت خفيض مازال الذهول يبدو عليه أجابت ليلى بالسعر ..
ضم الرجل حاجبيه و نظر لأعلى .. سكن كل شيء و ساد الصمت لحظات ثم وضع الرجل يده في جيب معطفه و هو يقول .. "هل تقبلون بطاقات الائتمان؟"
هزت مدام أنوار رأسها بالإيجاب .. ثم مدت يدها في هدوء تأخذ البطاقة ، نظرت قليلاً للاسم و الإمضاء.. بدا لها أنهما ليسا غريبين عنها ..
أشارت لليلى بإعداد اللوحة .. بينما ظل الرجل يتابع اللوحة بعينيه حتى انتهت من تغليفها ...
أخذ الإيصال و همّ بالرحيل .. إلا أن عجوزاً دخل يسبقه صوته ...
"أنوار..ليلى كيف حالكما؟!..آه..من هذا؟! لقد صار لديكما زبائن"
التفت الرجل إلى العجوز فصوته يعرفه جيداً..
لمعت عينا العجوز.. "مرحى..مرحى..هاهو فناننا العظيم..كيف حال حميرك؟"
قطب الرجل جبينه و أشار للعجوز بسبابته كأنما يهدده مازحاً..
"ألم تجد سوى هذه العجوز التعسة لتشتري منها؟!" قالها العجوز في مرح ثم استطرد موجهاً حديثه لمدام أنوار..
"إنه صاحب لوحة الحمار التي جئتكِ بها منذ شهر.."
رجعت مدام أنوار بظهرها على مسند الكرسي .. و بدأت ليلى تهتم بالحديث .. أما الرجل فقد حمل لوحته و خرج .. لعله لم يرد سماع المزيد ...
سكت العجوز قليلاً .. و تساءل "ماذا هناك..؟!"
أجابته ليلى.."لقد اشترى لوحة الحمار.."
هز العجوز رأسه"فهمت.."
"فهمت ماذا؟!" قالت مدام أنوار..
"لم يتحمل أن يبتعد طويلاً عن لوحته..كنت أنصحه دوماً بأن يستفيد من فنه كنت أتساءل لماذا لا يبيع لوحاته..فذلك سيدر عليه المال الكثير..و كانت هذه اللوحة أول ما يبيع…"
"كان يبدو عليه أنه لن يستطيع شراءها.." قالتها ليلى و هي تسند رأسها على كفها ..
"عندما باعها كان في حاجة إلى المال..لكن يبدو أن الحال تغير الآن..."
اشتركت ليلى ثانية في الحديث قائلة "يبدو أنك تعرفه جيداً..ماذا يعمل هذا الرجل؟"
رفع العجوز كتفيه قائلاً .. "إنه يقول طبيب بيطري..و قد قال لي أحد زبائني أنه بائع في سوق الحمير..و آخر حلف لي أنه رآه بأم عينيه يقود عربة يجرها حمار يظن أنه ينقل بها البضائع..إلا أن رجلاً حلف لي أنه يجر العربة بنفسه و أظنه أصدقهم" .