الأربعاء، 5 مايو 2010

الباحثون عن السعادة؟


غريب حقاً..لماذا وضعت علامة إستفهام في نهاية العنوان..؟! حقاً لم أقصد وضع تلك العلامة..لكني وجدتني أضعها تلقائياً..

ربما التساؤل الدائم الذي نعيش فيه..فنحن نعيش في ظل علامة إستفهام كبيرة..نسأل عن كل شيء و نحلم بالإجابة..

و للسعادة تساؤل..يفرض نفسه..

و عنها سأتخيل سيناريو يوم إنسان سعيد..

يستيقظ مبكراً..فور أن يدق جرس المنبه..كله نشاط..يفتح نافذة الغرفة..و يغسل وجهه بنسيم الصباح..يطل برهة يستنشق خلالها عبير الصباح و ينفث الهواء الراكد في صدره من ليلة أمس..و يلتقط بعضاً من أغاني العصافير..

يلتفت للمرآة..يمسح بيديه فوق شعره ليهدئ من ثورته..ثم يدخل الحمام و هو يصفر..يقضي حاجته بمنتهى السهولة..يغسل وجهه بصابون زكي الرائحة..و يغسل شعره..ثم يتوضأ..

يبدل ملابسه ليرتدي ملابس رياضية..يضع بعض العطر..و يصلي الصبح..

على "الكوميدينو" جوار السرير..صورة حبيبته التي يفتح عينيه عليها كل صباح..ينظر إليها و يأخذ هاتفه المحمول جوارها..يتحث إليها بود.."أنا جاهز..و نازل دلوقت..".

يلتقيان عند الشاطئ..يبدآن بتمارين الصباح..و يجريان على الكورنيش متعانقي الأيدي..

يتوقفان..ينظر في ساعته.."نرجع عشان نجهز للشغل.."..

يقبلها بعينيه..

و بحنان تقول له.."هتوحشني.."..بعينيها أيضاً..

يعود للبيت..يأخذ حماماً بارداً..و يرش جسده بمزيل العرق..ثم يرتدي ملابسه "الكلاسيك"..بنطلون قماش-قميص مقلم ياقته سادة-كراڤت عريض-و حذاء أسود لامع..

يضع المثبت على شعره..و يحمل حقيبته و يخرج..

يركب سيارته الصغيرة..

ينظر إلى الناس في الطريق..الفرحة تملأ العيون..هي تلك البسمة الخفية بين جفني العين..

ملابس أطفال المدارس نظيفة..

و يلاحظ شيئاً لا يلاحظه كثيرون..هؤلاء السعداء يهتمون بتمشيط شعرهم..ملاحظة غريبة!!

يتوقف عند بائع ورد..الذي يقابله بإبتسامة..فهو يعرف طلبه اليومي..الوردة البلدي الحمراء..يأخذها..و ينقده ثمنها..لكن البائع يعترض"خليها علينا.."..و يصر على رفض ثمنها..

يضع الوردة أمامه على تابلوه السيارة..و يواصل القيادة إلى العمل..

لا زحام..لا إشارات طويلة..و لا سائق يمارس ضده بلطجة القيادة..

يجد مكاناً مناسباً يقف بسيارته فيه أمام العمل..يأخذ حقيبته..و أمام المبنى يخرج هاتفه و ينظر حوله..ثم يرن على حبيبته..بعد دقيقة يرن هاتفه بهذه الأغنية.."و حياة عينيكي و ضحكتها..ما أغني أبداً غير ليكي.."..فينظر أمامه ليجدها تنزل من سيارتها.."إتأخرت عليك..؟"..تملأ الإبتسامة وجهه و هو يقول.."أنت عارفه ما أقدرش أطلع من غيرك.."..هما يعملان معاً..

قبل أن يدخلان من باب الشركة التي يعملان فيها..تقترب عجوز مسكينة..فيخرج من جيبه ورقة مالية و يعطيها لها..تضغط حبيبته على يده برقة..تثني عليه..

هناك سؤال..أين الوردة الحمراء..؟!..الإجابة أنها الآن في يد حبيبته..و في يده وردة أخرى..أهدته إياها..

بعد صلاة الظهر..عاد إلى مكتبه و لاحظ أن زميله بالمكتب لم يُصلِ معهم..نظر إليه متسائلاً..فرد عليه في حياء و بصوت هادئ حتى لا يسمعه أحد.."بصراحة..حاجة تكسف..أصل شرابي مقطوع و معرفتش إزاي هقلع الجزمة قدام الزملاء.."..

ضحكا..ظنها مزحة..لكنه بعد أن جلس إلى مكتبه الذي يقع خلف مكتب زميله مباشرة..لاحظ أن جوربه مقطوع قطع كبير عند الكعب لدرجة أنه ظهر فوق حافة الحذاء..فتضايق بشدة..

فكر أن يشتري له جورب كهدية..لكنها هدية سخيفة..و ربما تحرجه..فقرر أن يأتي في اليوم التالي بجورب مقطوع و يتعمد خلع الحذاء و السير مسافة طويلة داخل المسجد ليراه الناس..كرسالة لزميله أن الأمر عادي..

و بالفعل قام بذلك..حتى أن زميله ضحك عليه و قال.."في الهوا سوا.."و في اليوم التالي اشترى جوربين و أهداه واحداً منهما..بعد أن زال الحرج..

لقد ظل سعيداً لأيام بعد هذا الموقف..

بعد العودة من العمل..يتمدد على أريكته المفضلة أمام التلفاز..و يشاهد بعض فقرات الأغاني و في يده كأس به عصير مانجو بارد..يشربه بتأن..ثم يبدل ملابسه حتى يصل "الدليڤري" الذي طلبه..هو يفضل البيتزا الإيطالية بالخضروات..و أحياناً يطلب إضافة اللحم المفروم..و معها البيبسي تسبح فيه قطع الثلج..و يضع كل هذا على الطاولة القصيرة أمام التلفاز و يجلس على وسادة إسفنجية على الأرض..و يشغل التلفاز ليشاهد مسلسله الكوميدي المفضل..و قبل أن يبدأ الأكل..يكون قد أرسل ثلاث قطع من البيتزا لبواب العمارة و زوجته و طفله الصغير..لابد و أنهم شموا رائحتها و عامل التوصيل يدخل الباب..

بعد الأكل ينام مقدار ساعة و نصف..ليستيقظ مع المغرب..

يجلس أمام التلفاز يتابع نشرة الأخبار..ثم أحد برامج المنوعات أو بعض الأغاني حتى العشاء..ليبدل ملابسه و يخرج ليلتقي بعض الأصدقاء..يتناولون العشاء في أحد المطاعم الشعبية..ثم يذهبون إلى أحد مقاهي المثقفين..إما يتناقشون في موضوع أدبي أو سياسي أو حتى فني يشاركهم فيه البعض..أو يستمعون إلى نقاش آخرين في المقهى..

بعد ذلك..يعود إلى بيته..يكلم حبيبته..ثم ينام..

سؤال يلح عليّ..لماذا لم يتزوج حبيبته..؟!..لا أعرف..

سؤال آخر..لماذا هو سعيد..؟!..ربما لأنه لم يتزوجها..

الثلاثاء، 16 فبراير 2010

حصل خير


لم يدرك أن اسمه مازال مدرجاً ضمن كشوف الأحياء إلا بعد لحظات من انطلاق السيارة التي كادت تصدمه بعيداً عنه..عاشها لحظات لا هي حياة و لا موت..بالفعل خارج نطاق المعقول فقد هربت الدماء من وجهه و حملقت عيناه في اللا شيء و تعطلت أجهزته ، فكانت لحظات الادراك الأولى تصاحبها زفرة أعادت دوران تروس رئتيه..و وجع في صدره ربما كان قلبه العائد.

وقف على الرصيف المقابل راكعاً كالمصلي و بين أنفاسه المتسارعة يحمد الله..ربت على ظهره أحد المارة "حصل خير" .

اعتدل..نظر حوله في ثبات بنظرات متحدية كأن شيئاً لم يكن..إلا أن بائعين على الرصيف كانا مايزالان يناقشان ما أفلت منه و لحق بغيره يوماً..

"أتذكر زميلنا العجوز الذي مات على نفس هذا الطريق و هو يهرب من رجال البلدية ببضاعته عن الرصيف..؟!"

التفت إليهما و ابتسم ابتسامة ذات معنى..لكنه سرعان ما لام شفتيه على تلك الابتسامة الشاردة ، و ألقى التحية ثم سار بعيداً حتى توقف و أخرج من جيبه ورقة مالية و وضعها بين ذراعي عجوز نائمة حذاء جدار تحتضن جسدها بذراعيها.

بعد خطوات كان قد وصل إلى مقر الجمعية الخيرية التي تطوع فيها حيث موعد الإجتماع ، كان الجميع هناك وصلوا في الميعاد..و بعد مناقشة لم تتجاوز الساعة تقريباً اتفقوا على الشكل الذي سيكون عليه جمع التبرعات من الطلبة بالجامعة.

انضم حديثاً للجمعية..كان داخله شعور أنه يملك من الطاقة ما سيغير به وجه هذا العالم القبيح..و من البؤس و الشقاء ما سيدفعه لإجتثاثهما من معجم الحياة. و أن الكلمة التي طالما رددها سنوات طوال آن لها أن تصمت "يالبؤس هذا العالم..".

لكنه وجد في نفسه أشياءاً تنمو..و بريقاً يخبو..

لم يندهش لأنه وجدها هناك..فمن غيرها يمكن أن يكون هناك إن لم تكن هي ، لكنها حقاً لم تكن وحدها فكأن المكان امتلأ بمرايا فتجدها حولك و إن أضافت لها بعض الرتوش لتبدو مختلفة نوعاً ما..

بعد أول اجتماع رأى فيه تلك الفتاة التي كانت دائماً تبدو بعيدة حتى صارت منه أقرب ما يكون..ظل وحيداً أياماً..تدمى نفسه الجلادة لذاتها..و يجد وجه الفتاة و قريناتها يطاردنه بعد أن صاروا أكثر وضوحاً..فقرر ألا يذهب ثانية.

كان صراخ أم الولد و أنينها بالليل الأشبه لصوت الناي يبكيه و يطبق على صدره بالهموم ، كان يشعر أنه السبب في آلامها..لأن الولد إن مات فالطعنة منه..

و لهذا عاد..

لكن أشياءاً لم تعد..كانت نفسه ماتزال تتأرجح بين الحياة و الموت..حتى الحياة لم تكن حياة حقاً إنما هي روح الحياة يشتمها بالكاد.

راح للجمعية و في يديه أوراق الطفل المريض لعل عندهم من يتكفل بنفقات العملية ، و لم يتوقع أن الاستجابة ستكون على هذا الوجه..كانت الفتاة.."أبي طبيب و يمكنه أن يتولاها.."..ابتسم..و لمعت عيناه فكم أحب صوتها.

و يوم أن كادت تصدمه السيارة كان الإجتماع الثاني ، يومها كان يرى الجميع بعين أخرى و يسمعهم بأذن مختلفة.الفتيات يجلسن في زهو الساق فوق الساق..و الفتيان يضعون أمامهم هواتفهم النقالة باستفزاز منشغلين بتبادل الأنغام الجديدة..كذلك انسحاب الوقار أوقاتاً من الجلسة لتعلو الضحكات و المزاح دون سبب واضح..

تذكر تلك اللحظة التي كان أقرب فيها من الموت..لكن رعدة الموت دفعته دفعاً للتشبث بالحياة فراح يمزح !!

كان الخير ممزوجاً بأهواء البشر حتى بدا الخير ضيفاً غير مرحب به ، و اختلط محبي السلطة بتجار البر..هؤلاء الذين يقدمون الصدقة من أموالهم و كأنها فضل منهم.

صور الباعة الجائلين على الرصيف تمر أمامه..ذلك البائع العجوز الذي مات و لم يره قط رآه ساعتها..تلك العجوز النائمة و تحتضن جسدها من البرد..الأطفال الذين يملأون الطرقات بلا مأوى سوى قاع الأنفاق و أسفل الجسور..

اندفع يوم جمع التبرعات حاملاً صندوقاً ماراً بين الطلبة..لكنه وجد فيهم وجوهاً من المحتاجين..بل إن سيف الحياء يومها كان قاطعاً..و صديق له وجدها فرصة ليتقرب من الفتاة التي طالما تسابق على معرفتها الجميع.. فرصة ليحادثها و لو للحظة.أما هو فراح إلى هؤلاء الذين يجلسون في سياراتهم و يستمعون إلى الموسيقى و ألح عليهم و صار فظاً مع هؤلاء الأغنياء..

كان مصيره الضرب..

و من يومها يعيش مذموماً..الصقت به تهمة الحقد الطبقي..يذهب إلى الجمعية و يجلس على الرصيف المقابل لها بعد أن مُنع من دخولها يراقب أعضاءها و هم يأتون في سياراتهم الفاخرة و ينتظر تلك الفتاة لكنها لا تأتي أبداً..

أما بقية اليوم فيقضيه هائماً في الطرقات باحثاً عن السيارة التي كادت أن تصدمه متسائلاً.."لماذا لم تقتلني..؟!".

الأحد، 3 يناير 2010

لوحة حمار


أمام "مون جاليري" بشارع المقريزي يقف رجل مساء كل خميس يبدو أنه منجذب لمعروض ما..يمضي على وقوفه نصف الساعة ثم يرحل..

"مدام أنوار..الساعة السادسة..ذاك الرجل يقترب" قالتها ليلى العاملة بالمعرض لصاحبة العمل.

"ميعاده منضبط!!" رفعت السيدة أنوار كتفيها.

"ألا يزعجك وجوده..؟"

"ربما تعجبه لوحة الحمار المعروضة.."

"أظنها غالية عليه..لذا يكتفي بمشاهدتها كل أسبوع..ولكن لماذا كل أسبوع مرة؟!" و بهذا التساؤل أنهت ليلى حوارهما القصير ليبدءا في متابعة الرجل بنظرات يسترقونها أثناء العمل..

ولكن يبدو حقاً أن تلك اللوحة التي تحدثوا عنها هي ما كانت تجذب انتباه الرجل و تأتي به إلى المعرض كل خميس..فهي مستوحاة من إحدى أعمال مستشرق ألماني و قد بدا التقارب بين اللوحتين واضحاً إلا سمة تميز واحدة عن الأخرى ، و بالطبع لم يكن يبدو عليه أنه يمتلك ما يساوي ثمنها..فإن ملك ما يساوي ثمنها فلا يبدو أنه يسكن حيث يليق بلوحة كهذه أن توضع.

* * *

بدأ الشتاء منذ أيام بمطر قوي أغرق الطرقات ، و قد توقفت الحركة دقائق مساء هذا الخميس..سقطت إحدى عجلات عربة يجرها حمار في حفرة اختفت تحت أوحال الشتاء .. و كالعادة أخذ سائق العربة يضرب الحمار بالسوط .. و علت أصوات آلات التنبيه .. وقف الكثير يتفرج ، و القليل لم يهتم .. و كان رجل اللوحة حينئذٍ في طريقه إلى المعرض .. لم يهتم أيضاً بمعرفة ما يجري .. في البداية على الأقل .. رمى بنظرة باردة على المشهد ثم عاد لطريقه .. لكنه توقف فجأة ، و التفت ثانية نحو العربة العالقة و قد التهبت نظرته و صار و كأنما لا بشر بينه و بين العربة ، كأن نظرته شقت بينهما سبيل...

جرى نحو العربة .. صار في مواجهة السائق .. امسك يده المرتفعة بالسوط عن الحمار و صرخ في وجهه "أمالك قلب..؟!" و بدا و كأن مشاجرة سوف تبدأ لولا تدخل بعض المارة جذبوا السائق معهم لرفع العربة و دفعها عن الحفرة .. بينما ظل الرجل جوار الحمار يمسح على رأسه..

مر الأمر بسلام .. انطلقت العربة خلف الحمار يجرها و الرجل يتابعها بنظرة و على وجهه ابتسامة .. ثم ذهب للمعرض الذي لم يكن بعيداً عن مكان الأزمة ...

دخلت ليلى المعرض فور انتهاء الأزمة و قد اتسعت حدقتها..

"لن تصدقي ما رأيت.." قالت لمدام أنوار ..

وضعت مدام أنوار المجلة من يدها و نظرت من فوق نظارتها متسائلة .. فأردفت ليلى و هي تقف و ظهرها للباب ..

"كان ذاك الرجل..الرجل الذي يأتي كل خميس..يقف..."

لم تكمل حديثها إذ رأت الانبهار على وجه مدام أنوار ناظرة نحو الباب .. كان هناك أحد قد دخل هكذا دل صوت الموسيقى فور فتح الباب .. التفتت .. إذا به رجل اللوحة .. نظرت إلى مدام أنوار و وضعت يدها على فمها تكتم ضحكة .. يبدو أنها خجلت من نفسها..

"أريد شراء هذه اللوحة المعروضة .." أشار إلى لوحة الحمار خلف زجاج العرض ، نظرت مدام أنوار لليلى .. بدا عليهما الذهول .. لم يكن متوقعاً أنه سيشتريها يوماً..

"هل من مشكلة..؟!هل هي مباعة؟" تساءل الرجل

لكنهم أجابوا بالنفي.. ابتسم و سأل عن سعرها .. و بصوت خفيض مازال الذهول يبدو عليه أجابت ليلى بالسعر ..

ضم الرجل حاجبيه و نظر لأعلى .. سكن كل شيء و ساد الصمت لحظات ثم وضع الرجل يده في جيب معطفه و هو يقول .. "هل تقبلون بطاقات الائتمان؟"

هزت مدام أنوار رأسها بالإيجاب .. ثم مدت يدها في هدوء تأخذ البطاقة ، نظرت قليلاً للاسم و الإمضاء.. بدا لها أنهما ليسا غريبين عنها ..

أشارت لليلى بإعداد اللوحة .. بينما ظل الرجل يتابع اللوحة بعينيه حتى انتهت من تغليفها ...

أخذ الإيصال و همّ بالرحيل .. إلا أن عجوزاً دخل يسبقه صوته ...

"أنوار..ليلى كيف حالكما؟!..آه..من هذا؟! لقد صار لديكما زبائن"

التفت الرجل إلى العجوز فصوته يعرفه جيداً..

لمعت عينا العجوز.. "مرحى..مرحى..هاهو فناننا العظيم..كيف حال حميرك؟"

قطب الرجل جبينه و أشار للعجوز بسبابته كأنما يهدده مازحاً..

"ألم تجد سوى هذه العجوز التعسة لتشتري منها؟!" قالها العجوز في مرح ثم استطرد موجهاً حديثه لمدام أنوار..

"إنه صاحب لوحة الحمار التي جئتكِ بها منذ شهر.."

رجعت مدام أنوار بظهرها على مسند الكرسي .. و بدأت ليلى تهتم بالحديث .. أما الرجل فقد حمل لوحته و خرج .. لعله لم يرد سماع المزيد ...

سكت العجوز قليلاً .. و تساءل "ماذا هناك..؟!"

أجابته ليلى.."لقد اشترى لوحة الحمار.."

هز العجوز رأسه"فهمت.."

"فهمت ماذا؟!" قالت مدام أنوار..

"لم يتحمل أن يبتعد طويلاً عن لوحته..كنت أنصحه دوماً بأن يستفيد من فنه كنت أتساءل لماذا لا يبيع لوحاته..فذلك سيدر عليه المال الكثير..و كانت هذه اللوحة أول ما يبيع"

"كان يبدو عليه أنه لن يستطيع شراءها.." قالتها ليلى و هي تسند رأسها على كفها ..

"عندما باعها كان في حاجة إلى المال..لكن يبدو أن الحال تغير الآن..."

اشتركت ليلى ثانية في الحديث قائلة "يبدو أنك تعرفه جيداً..ماذا يعمل هذا الرجل؟"

رفع العجوز كتفيه قائلاً .. "إنه يقول طبيب بيطري..و قد قال لي أحد زبائني أنه بائع في سوق الحمير..و آخر حلف لي أنه رآه بأم عينيه يقود عربة يجرها حمار يظن أنه ينقل بها البضائع..إلا أن رجلاً حلف لي أنه يجر العربة بنفسه و أظنه أصدقهم" .