الخميس، 17 ديسمبر 2009

جمهورية الخوف


الوقت المتأخر..و إضرابات السائقين إضطراني للركوب في الصندوق الخلفي لعربة نقل متجهة للأسكندرية عبر الطريق الصحراوي للحاق بصلاة العيد مع الأسرة هناك.

الظلام يغمر الطريق..ففي أجزاء كثيرة منه تعطلت فيها أعمدة الإنارة ، و هروب الحياة من جانبي الطريق أتاح للرياح الباردة إنطلاقاً حراً يصافحني في عرائي ، أحكمت لفة كوفيتي حول الرقبة و طاقيتي الصوف فوق الرأس و قررت التسلي في ظلام الطريق بلوحات الإعلانات الضخمة..حسنة الإضاءة و الوجوه..و هذا ما كنت أنتظر!! لكن ما كان غير ذلك.

في البداية لم أندهش..اللافتة الأولى عليها علامة إستفهام حمراء كبيرة كتب تحتها "لماذا..؟" و أخذت أتخيل باقي السؤال "لماذا عصيرجوجو..؟ أو لماذا بسكويت كلاس؟" أشياء من هذا القبيل..تحيرت..فكرت طويلاً حتى استسلمت منتظراً اللوحة التالية..لكن التالي كان لزيوت سيارات و شركات تأمين و أخرى تتمنى لك السلامة و بعدها وجدت السائق يهدئ سرعته حتى توقف تماماً في طابور محدود من السيارات..كانت حادثة..سيارة نقل كبيرة و مقطورتها إنقلبتا على الطريق و أغلقتاه..و سيارة صغيرة تحمل لوحات معدنية خاصة منقسمة لنصفين و أخرى مقدمتها مهشمة.

على الأرض جرائد حمراء..لا أقصد صفراء..بل هي الدماء جعلتها حمراء.. تبادر لذهني سؤال عارض "لماذا تغطى الدماء دوماً بالجرائد..؟" و تذكرت السؤال الناقص على اللافتة "لماذا..؟".

مررنا بحذر حول السيارات المحطمة لنصل إلى بقية الطريق و نكمل رحلتنا وسط لغط ناس كثيرون لا أعرف من أين جاءوا في هذه الصحراء و أصوات أجهزة اللاسلكي في أيدي رجال المرور..إلا إثنين منهما أصحاب رتب أعلى كانا ينظران مبتسمان إلى رجل راح يصرخ "حرام..إتقوا الله" و آخرون يوسعونه ضرباً و كأن المشهد لدغني فصرخت "ألا ترون..لماذا يضربون الرجل..؟!!"..فتقدم أحدهما مني و جذبني من ياقتي و هو يقول بحدة "و أكثر من ذلك..يمكنك أن تحصل عليه" ثم رتب على خدي محذراً ثم أمر السائق أن ينطلق فانطلق كالصاروخ و هو يقول"و حياة أبوك..اهتم بشئونك و دعك من الآخرين..".

امتعضت.. ملأني الحنق و الرعب أيضاً و كأن الصحراء إزدادت إتساعاً على إتساعها و ظلاماًً على ظلامها حتى

في الأجزاء المضاءة منها..و الكلمات تحجرت كتماثيل القادة في الميادين لا تصد إضلالاً أو كالرصاص في جيوب أسرى بلا سلاح ، هربت دمعة من عيني شعرت كم هي عكرة..و كم هي متضخمة.

دقائق قبل أذان الفجر..

لا فتة تظهر على الطريق أخيراً..حبل غليظ تشكل كعلامة إستفهام في نهايته حلقة كأنها النقطة أسفل العلامة مكتوب داخلها "من..؟" كانت مخيفة..بدا أنني لست أمام منتج إستهلاكي.

ضممت ساقاي المفرودتان إلى صدري..و فردتهما ثانية..و كررت ذلك ثلاثاً لأدفع الدم الجامد فيهما و كذلك فعلت لذراعي و أخيراً جلست ملصقاً ركبتي بصدري محتضناً ساقاي..جلسة منحتني قدراً من الطمأنينة فالحبل المتسائل قلّب أشياءاً كنت أظنها ترسبت حتى إلتصقت بالقاع و لن تعود.

* * *

كتب شهادة إحباطه و تركها على مكتبه..هكذا أسمى أخي وصيته الأخيرة قبل أن يشنق نفسه في غرفته تاركاً قلماً من الذهب الخالص و ميدالية من الفضة تذكاراً خاصاً لي.

كنت صغيراً..فكانوا حذرين في نطق كلمة الإنتحار أمامي حتى لا أسأل عنها..لكنهم كانوا يقولون أنه مات لأنه لم يكن سعيداً و أكثرنا سعادة..أطولنا عمراً.

* * *

أخرجت القلم و الميدالية من جيبي..فأنا أحتفظ بهما دائماً..نظرت لهما قليلاً..ثم إلى اللافتة القادمة..كانت بشعة..الحبل يلتف حول رقبة رجل يظهر منه على اللافتة مؤخرة رأسه.

أخفيت وجهي بين ساقي..و أخذت أرتعش ثم طرقت على الزجاج الخلفي لكابينة السائق و سألته أن يقف. ارتميت على ركبتي و ذراعي على جانب الطريق أتقيأ.

"اسمع..ستجلس معي لابد و أنك أصبت بالبرد في معدتك" و أشار لزميله أن يجلس هو في الخلف..رفضت لكن أمام إصرار السائق وافقت..و اكتشفت بعد مواصلتنا المسير أنني فقدت القلم و الميدالية..غير أني لم أشعر برغبة في العودة للبحث عنهما و إستعادتهما.

اقتربنا كثيراً من الأسكندرية و السماء بدأت تتخذ لون الصباح..فلم أشك أن الصلاة ستفوتني في مسجد المرسي أبو العباس.

استأذنت السائق ان أدير المذياع..

"تم تنفيذ حكم الإعدام في.." أغلقت المذياع قبل أن أسمع باقي الخبر.

"لماذا..؟!دعنا نعرف من؟"

"سئمت من تلك الأخبار..ثم من يكون غير واحد منا!!"

ها هو "من..؟" يظهر..التساؤل الذي لم أعرف بقيته..فهل البقية ماقلت..محيرة تلك الإعلانات..هممت أن أسأل السائق عنها لعله يراها دوماً كلما مر على هذا الطريق و يعرف سرها..لكن لافتة جديدة ظهرت "العرض القادم..أنت" و الحبل ذو الحلقة جانبها.. فوضعت كفي على وجهي..و الرعشة عادت..و إتساع العالم المظلم داخلي عاد أيضاً.

ربت السائق على كتفي"وصلنا" نظرت إليه بعينين زائغتين ثم من النافذة فوجدتني أمام الكورنيش عند الشارع المؤدي للمسجد..نزلت من السيارة بعد أن أنقدت السائق أجرته..و عبرت إلى الجانب الآخر من الطريق و يداي في جيبي فوجدت القلم و الميدالية في أحدهما..و عضضت على شفتي حتى كادت تدمى..و وجدت الناس تسير عاضة على شفاههم..و الأمن يقف بعرباته أمام المسجد.